ما زال الجدل يتصاعد حول فحوى الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، لا سيما فيما يتعلق بالمطالب التي يتبناها، وأوراق الضغط التي يستخدمها لإقناع إيران بقبول التفاوض حول الملفات الخلافية، وهو ما قُوبل برفض من جانب إيران عبَّر عنه خامنئي، بتأكيده – في لقاء مع حشد جماهيري في طهران بمناسبة بداية العام الإيراني الجديد، في 21 مارس 2025 – أن إيران لن تتفاوض تحت الضغط، وتلويحه بالرد عسكرياً على أي هجوم أمريكي محتمل ضد إيران خلال المرحلة القادمة. وقد كان أهم ما جاء في هذه الرسالة، وفقاً لتقارير عديدة، هو حرص الرئيس ترامب على حصر مدة التفاوض في شهرين من أجل الوصول إلى صفقة محتملة بين الطرفين حول الملفات الخلافية.

 

أسباب رئيسية
يمكن تفسير حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حصر مدة التفاوض مع إيران في شهرين فقط من أجل الوصول إلى صفقة جديدة في ضوء اعتبارات عديدة، يتمثل أبرزها في:
1– استبعاد تكتيك "الاستغراق في التفاصيل": دائماً ما كانت إيران تستغل المفاوضات التي تجري مع الدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل الانخراط في تفاصيل ضيقة ومعقدة، وهو تكتيك تفاوضي اعتادت إيران أن تستخدمه، بهدف إنهاك وتشتيت المفاوض الأمريكي، والغربي عموماً، والحصول على أكبر قدر من الامتيازات مقابل تقديم أقل مستوى من التنازلات، والبحث عن ثغرات يمكن من خلالها الالتفاف على القيود التي يفرضها أي اتفاق قد يتم الوصول إليه.

وقد استخدمت إيران هذا التكتيك في المفاوضات التي أُجريت مع الولايات المتحدة الأمريكية، بصفة فردية وسرية، بدايةً من عام 2009، والتي استغرقت 6 سنوات حتى الوصول إلى الاتفاق النووي مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015، كما تعمدت إيران استخدام التكتيك ذاته خلال المفاوضات غير المباشرة التي أُجريت مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، في الفترة من أبريل 2021 حتى سبتمبر 2022، والتي لم تصل إلى نتيجة في النهاية؛ حيث كان من الأسباب التي أدت إلى ذلك هو تعمد إيران إطالة أمد المفاوضات وعدم التعجل في الوصول إلى صفقة.

2– منع إيران من تطوير برنامجها النووي: يرى مسؤولو الإدارة الأمريكية الحالية أن إيران تعمدت خلال المفاوضات السابقة كسب مزيد من الوقت بهدف تحقيق قدر من التقدم في البرنامج النووي، وفي الوقت نفسه تجنُّب دفع الدول الغربية إلى استخدام ورقة الضغط الأساسية التي تمتلكها، الخاصة بتفعيل ما تُسمَّى "آلية الزناد" التي تعني إعادة تطبيق العقوبات الدولية المفروضة على إيران بشكل آلي، والتي تم تعليقها بمقتضى الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في 14 يوليو 2015. وقد كان نجاح إيران في كسب الوقت سبباً في وصول تطور برنامجها النووي إلى مستوى غير مسبوق، ساهم في اقتراب إيران من مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية.

وحسب التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسب مختلفة يصل إلى 6604.4 كيلو جرام، بما يعادل 32 ضعفَ ما هو منصوص عليه في الاتفاق النووي (202.8 كيلوجرام)، كما أشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل جروسي، في 20 فبراير 2025، إلى أن الكمية التي أنتجتها إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – الأقرب إلى مستوى 90% اللازم لإنتاج القنبلة النووية – وصلت إلى 250 كيلوجراماً، على نحوٍ يمكن أن يساعد طهران – في حالة اتخاذ قرار سياسي وامتلاك مستلزمات تكنولوجية أخرى – على إنتاج 6 قنابل نووية.

3– إثبات القدرات التفاوضية لترامب: يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر ممارسة ضغوط قوية على إيران لإبرام صفقة نووية في غضون شهرين، إلى إثبات قدراته التفاوضية؛ لتحقيق هدفين: أولاً– تعزيز قدرته على الوصول إلى صفقات أخرى مماثلة في قوى دولية وإقليمية حول الملفات الخلافية، على غرار الصفقة الخاصة بالحرب الروسية–الأوكرانية، والصفقات المرتبطة بالخلافات العالقة مع قوى أخرى، مثل الصين وكندا، وحتى الشركاء في حلف شمال الأطلنطي (الناتو). ثانياً– توجيه مزيد من الانتقادات القوية إلى السياسة التي تبناها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، والتي أدت – في رؤية الرئيس ترامب – إلى تفاقم حدة التهديدات التي تتعرَّض لها الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن فشل في حسم بعض الملفات الخلافية مع العديد من القوى، على غرار الحرب الروسية–الأوكرانية، والملف النووي الإيراني.

4– تصاعد حدة الضغوط الإسرائيلية على إيران: ترى الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، أن هناك فرصةً خلال الفترة الحالية لحسم الصراع مع إيران، خاصةً بعد القضاء على القسم الأكبر من القدرات العسكرية للوكلاء، لا سيما حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية، وإضعاف القدرات العسكرية لمليشيا الحوثيين التي تنخرط في مواجهة عسكرية ما زالت مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي، فضلاً عن سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

لكن حكومة نتنياهو ترى أن هذه الفرصة قد تتراجع تدريجياً خلال المرحلة القادمة، خاصةً في ظل الانخراط التدريجي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملفات عديدة إقليمية ودولية سوف تدفعها إلى توزيع اهتمامها وجهودها على هذه الملفات خلال المرحلة القادمة. ومن دون شك، فإن الضغوط الداخلية التي يتعرض لها نتنياهو والائتلاف الحاكم تدفع في اتجاه ضرورة عدم استنزاف مزيد من الوقت قبل حسم المواجهة مع إيران.

من هنا، كان لافتاً أنه بالتوازي مع استمرار انتظار الإدارة الأمريكية الرد الإيراني على الرسالة التي وجهها الرئيس ترامب إلى المرشد خامنئي، بدأت إسرائيل حملة قوية لممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية بهدف عدم منح مزيد من الوقت للإيرانيين قبل أن يتم الاستناد إلى الخيار العسكري لإدارة التصعيد معهم خلال المرحلة القادمة؛ إذ أشارت تقارير عديدة، في 21 مارس 2025، إلى أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا يمكنها غض الطرف عن محاولات إيران إنتاج القنبلة النووية، وأن الهدف من ذلك هو "توعية" الإدارة الأمريكية بأن إيران على وشك امتلاك القنبلة النووية.

ويُرجَّح أن تستغل إسرائيل المفاوضات التي سوف تُعقَد خلال الأيام القادم مع المسؤولين الأمريكيين في واشنطن حول الملف الإيراني، من أجل ممارسة مزيد من الضغوط على الإدارة الأمريكية للإسراع في حسم المواجهة مع إيران، باعتبار أن الظروف الحالية، على المستويين الإقليمي والدولي، باتت مهيأة للإقدام على عمل عسكري يمكن أن يؤدي إلى تعطيل أو تدمير البرنامج النووي الإيراني، خاصةً بعد تدمير منظومة الدفاع الجوي الإيرانية خلال الهجمات التي شنتها إسرائيل ضد إيران في 26 أكتوبر 2024، حسب الرواية التي تُروِّج لها تل أبيب.

 

مأزق حرج
على ضوء ذلك، يمكن القول إن إمعان الرئيس ترامب في تقييد فترة التفاوض المقترحة مع إيران إلى شهرين فقط، يهدف إلى ممارسة مزيد من الضغوط على صانع القرار الإيراني، ووضعه أمام خيارات محدودة، بحيث يتجه في النهاية إلى المسار الذي يتوافق مع حسابات ومصالح الإدارة الأمريكية في المرحلة الحالية؛ ولذا فإن إيران تبدو في وضع حرج، خاصةً أن أيَّ تأخُّر في الرد على رسالة ترامب قد يدفع الأخير إلى منح الضوء الأخضر لاتخاذ إجراءات عقابية أكثر شدةً ضد إيران، على غرار تنفيذ عمليات استخباراتية ضد المنشآت النووية والصاروخية، أو استهداف قادة بارزين في الحرس الثوري.

المصدر: د. محمد عباس ناجي - إنترريجونال